أبو نصر الفارابي
64
كتاب السياسة المدنية
القوى كثيرة لا تحصى . ثم لم تكتف بهذه القوى التي جعلت في كل نوع منها في أن تفعل أو تحفظ وجودها دون أن صارت الأجسام السماوية أيضا بأصناف حركاتها يعين بعضها على بعض ، ويعوق فعل بعضها عن بعض على تبادل وتعاقب « 1 » . حتى إذا أعان هذا في وقت ما على ضده ، عاقه في وقت آخر وأعان ضده عليه ، وذلك بما يزيد من الحرارة مثلا أو البرودة أو ينقص منها فيما شأنها أن يفعل وينفعل بالحرارة أو بالبرودة ، فإنها تزيدها أحيانا وتنقصها أحيانا . والأجسام التي تحتها لأجل اشتراكها في المادة الأولى وفي كثير من المواد القريبة ولتشاكل صور بعضها وتضاد صور البعض ، صار بعضها يعين بعضا وبعضها يعوق بعضا إما على الأكثر وإما على الأقل وإما على التساوي على حسب تشاكل قواها وتضادها « 2 » . فإن المضاد يعوق والمشاكل يعين ، فتشتبك هذه الأفعال في الموجودات الممكنة وتأتلف فيحصل عنها امتزاجات كثيرة . إلا أنها تجري عند اجتماعها على ائتلاف واعتدال وتقدير يحصل به لكل موجود من الموجودات قسطه المقسوم له من الوجود بالطبع إما بحسب مادته وإما بحسب صورته وإما بحسب الأمرين جميعا « 3 » . وما كان بحسب صورته فإما أن يكون لذاته وإما أن يكون لغيره وإما أن يكون للأمرين جميعا .
--> ( 1 ) الأجسام الأرضية لها قوى تعقل فيها أو تحفظ وجودها . وكذلك الأجسام السماوية تعقل فيها وتؤثر في حفظ وجودها . ( 2 ) يشير هنا إلى تأثير الأجسام الأرضية على بعضها البعض . ( 3 ) تأثير الأجسام الأرضية في بعضها البعض يحدث بفعل طبيعتها .